الشيخ عبد الغني النابلسي
79
كتاب الوجود
وقال سلطان العارفين الشيخ محيي الدين بن عربى - قدس سره - في كتابه الفتوحات المكية : « أن للمقيد بمعرفة المطلق وذاته لا تقضيه ، وكيف يمكن أن يصل الممكن إلى معرفة الواجب بالذات ، وما من وجه للممكن إلا ويجوز عليه العدم والدثور والافتقار ، فلو جمع بين الواجب بذاته والممكن بذاته وجه « 1 » ، لجاز على الواجب ما جاز على الممكن من ذلك الوجه من الدثور والافتقار ، وهذا في حق الواجب محال ، فإثبات وجد جامع بين الواجب والممكن محال ، فإن وجوه الممكن تابعة له ، وهو في نفسه يجوز عليه العدم ، فتوابعه أحرى وأحق بهذا الحكم ، وثبت للممكن ما ثبت للواجب بالذات من ذلك الوجه الجامع ، وما ثم شيء ثبت للممكن من حيث هو ثابت للواجب ، فوجود وجه جامع بين الممكن والواجب بالذات محال » انتهى كلامه . فإذا كان الواجب الحق لا إله إلا هو ليس بينه وبين شيء من الممكنات وجه جامع ، فلا يمكن تصوره ، ولا بوجه من الوجه أصلا « 2 » ، وأغرب من هكذا كله أنهم
--> ( 1 ) يقسم العقل المعلوم إلى ثلاثة أقسام : الممكن لذاته ، والواجب لذاته ، والمستحيل لذاته ؛ أما المستحيل لذاته فهو العدم ، والواجب هو ما كان وجوده لذاته من حيث هي ، والممكن إنما يكون وجوده بسبب آخر غير ذاته ، والممكنات موجودة ، ووجودها يقتضى بالضرورة وجود الواجب ، ويدعو الإسلام إلى معرفة اللّه - سبحانه وتعالى - . ولقد فطر اللّه العقول الإنسانية على فهمه ، كما فطر النفس الإنسانية لكي تتصل به ، والضمائر الإنسانية لكي تشهد بوجوده ، وبهذا الاسم الأعظم « اللّه » - جل جلاله - أظهر اللّه للكون والإنسانية ذاته ، وعرفهم به . [ الفكر الفلسفي ( 85 ، 86 ) ] . ( 2 ) مما اهتم به ابن رشد مشكلة أصل الموجودات ، والتساؤل حول القدم والحدوث . وقد ذهب إلى رأى أرسطو ، فقال : إن أرسطو بين لنا أن العلل منها فاعلة ، وهي المتقدمة في الوجود ، ومنها ما في أجزاء الشيء الموجود ، وهي معه ، ذهب إلى أنه ليس هناك مبرر للقول بالصور التي قال بها أفلاطون ، فإذا كان الشيء إنما يكون من المواطئ له بالاسم ، فلا حاجة بنا بوجه من الوجوه إلى أن تكون الصورة موجودة ، فالإنسان يولده إنسان مثله والفرس فرس مثله ، واحد لواحد ، وجزئي لجزئي ، لا كلى لجزئي ، كما يقول القائل بالصور . [ انظر : تجديد في المذاهب الفلسفية والكلامية ( 250 ) ] .